كان كل شخص يأخذ من القماش ما يكفي جسده (كفنًا)
بعد تفاصيل كثيرة، كانت هناك بالطبع فعاليات سبقت 30 يونيو، ومن أجل اختصار الوقت يمكننا سردها لاحقا، مع أنها لا ينبغي أن تمر دون ذكر.
يوم الثلاثاء 13 أغسطس، في الساعة الثامنة مساء، غادرت الاعتصام لأن أطفالي كانوا معي. قلت لنفسي إنني سأصحبهم إلى المنزل ثم أعود.
وفي اليوم التالي، استيقظت على نبأ فض الاعتصام، وعلمت أن التجمع سيكون في ميدان ألف مسكن بشرق القاهرة. ولا أدري لماذا لم يُذكر هذا الميدان كثيرا، رغم ما شهده من أحداث عظيمة، ولذلك سأركز عليه.
تجمعنا في ألف مسكن، وبدأت أمواج من البشر تتدفق إلى الميدان. كان عدد النساء يضاهي عدد الرجال والشباب.
هناك رأيت مشهدا لا يمكن أن أنساه.
أقبلت سيارة سوزوكي نقل صغيرة محملة بأثواب من قماش البفتة الأبيض، ودخلت وسط الناس كأنها قطعة سكر التف حولها النمل. كان كل شخص يأخذ من القماش ما يكفي جسده، كفنا، ثم يتجه نحو ميدان الحجاز عبر طريق التروماي بشارع عبد العزيز فهمي.
كانت هناك حالة من الرهبة والذهول. حتى الناس العاديون، عندما رأونا، بدأوا في إغلاق محلاتهم بسبب ما سمعوه من قصص مزيفة عنا.
ثم ظهرت أمامنا سيارة شرطة، بوكس، مدججة بالأسلحة في محاولة لإخافتنا. تقدم بعض الرجال نحوها وشكلوا حائطا بشريا لحمايتنا، فتجاهلنا سيارة الشرطة وواصلنا المسير نحو ميدان الساعة.
وعند نزلة كوبري النزهة، رأيت نساء يصنعن سلاسل بشرية ويحملن المناديل والخل. وكانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها هذه الطبقة، التي لم تكن تبدو من الطبقة الوسطى أو الفقيرة. كن كالملائكة.
واصلنا السير حتى وصلنا إلى ميدان العزة، ووقفنا عند الجامعة العمالية، حيث تكدس الناس وعجزنا عن الدخول لمؤازرة إخواننا.
كان جنود فرعون يشكلون حائطا بشريا من صفين، صف خلف صف. صف ينظر إلينا ويضرب نحونا، وصف آخر يضرب في إخوتنا.
ما كنتش عارف الرصاص بييجي من تحت ولا من فوق!
بقينا خايفين حتى على أصحاب العمارات اللي حوالينا من ضرب الرصاص في البلكونات والشبابيك والتكييفات المعلقة، وكنا بننادي عليهم:
«محدش يبص.. اخلوا جوة».
رأينا الطائرات تقف فوقنا زي مروحة السقف.
ورأيت رجلا، مش عارف هل كان صحفيا أم دكتورا، يكتب بفرشاة على الأسفلت عبارات باللغة الإنجليزية موجهة لطيار الطائرة.
الساعة الآن 11 ظهرا.
انسحبت سيارات الإسعاف من حولنا، وعرفنا بعد ذلك أن الأمر كان مقصودا.
كنت قد تعبت، فقلت أروح وأرجع تاني.
وما كنتش أعرف إن دي كانت نهاية الاعتصام!
وللحديث بقية..
قبل اعتصام رابعة، أحداث الحرس والمنصة، شهر رمضان، وعيد الفطر.
دمتم بود.